الشيخ محمد رشيد رضا
198
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أقول انني لما رأيت هذه الحكمة التي لم تكن خطرت في بالي تذكرت أن أراجع كتاب حجة اللّه البالغة لعلي أجد فيه من الحكمة ما أقتبسه في هذا المقام فرأيته أطال في بيان حكمة محرمات الطعام مراعيا فيها المعتمد في بعض المذاهب ولم يذكر في الميتة والدم المسفوح الا أنهما نجسان وفي الخنزير الا انه مسخ بصورته قوم . وقد أعجبني في هذا الباب قوله « في اختيار أقرب طريق لازهاق الروح اتباع داعية الرحمة وهي خلة يرضى بها رب العالمين ويتوقف عليها أكثر المصالح المنزلية والمدنية . قال صلّى اللّه عليه وسلّم « ما يقطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة » « 1 » أقول كانوا يجبون أسنمة الإبل ويقطعون أليات الغنم وفي ذلك تعذيب ومناقضة لما شرع اللّه من الذبح فنهى عنه . قال ( ص ) من قتل عصفورا فما فوقه بغير حقه سأله اللّه عز وجل عن قتله » « 2 » قيل يا رسول اللّه وما حقه ؟ قال « أن يذبحه فيأكله ولا يقطع رأسه فيرمي به » أقول ههنا شيئان مشتبهان لا بد من التمييز بينهما أحدهما الذبح للحاجة واتباع إقامة مصلحة النوع الانساني والثاني السعي في الأرض بافساد نوع الحيوان واتباع داعية قسوة القلب » اه وهو موافق ومؤيد لما ذكرناه من قبل ( حكمة إباحة قتل الحيوان لأجل أكله ) ذهب بعض البراهمة والفلاسفة إلى أن تذكية الحيوان وصيده لأجل أكله قبيح لا ينبغي للعاقل ان يأتيه ولا يحسن ان يعذب غيره من الاحياء لأجل شهوته ، ويترتب على هذا الاعتراض على الشرائع الإلهية التي أباحت أكل الحيوان كالموسوية والعيسوية والمحمدية . ومما يطعن به الناس في أبي العلاء المعري الفيلسوف العربي انه كان لا يأكل اللحم استقباحا له وأنه كان يعده توحشا ، لا انه كان يعافه بطبعه ككثير من الناس ، وقد يشعر بهذا ما حكي عنه انه مرض فوصف له الطبيب فرّوجا فلما جيء به مطبوخا وضع يده عليه وقال : استضعفوك فوصفوك ، هلا وصفوا شبل الأسد ؟ والجواب عن هذا ان الشرائع الإلهية لو لم تبح للناس أكل الحيوان لكان
--> ( 1 ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن أبي واقد واسناده حسن ورواه غيرهم عن غيرهم ( 2 ) رواه أحمد من حديث عبد اللّه بن عمرو واسناده حسن